الشيخ السبحاني

119

الوسيط في أصول الفقه

استدلّ صاحب الفصول على مختاره : بأنّ الحاكم بالملازمة بين الوجوبين هو العقل ، ولا يرى العقل إلّا الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب ما يقع في طريق حصوله وسلسلة وجوده ، وفيما سوى ذلك لا يدرك العقل أيّة ملازمة بينهما . وأُورد عليه : بأنّ العقل الحاكم بالملازمة دلّ على وجوب مطلق المقدّمة لا خصوص ما إذا ترتب عليها الواجب ، لثبوت مناط الوجوب أعني التمكن من ذيها في مطلقها وعدم اختصاصه بالمقيّد بذلك منها . ولكن الحقّ انّه لو قلنا بوجوب المقدّمة لاختصّ الوجوب بالموصلة منها ، وذلك لأنّ الغاية تُحدِّد حكم العقل وتضيّقه ، وذلك لأنّ التمكّن من ذي المقدّمة وإن كان غاية لوجوبها لكنّها ليست تمامها ، والغاية التامة هي كون المقدّمة الممكِّنة ، موصلة لما هو المطلوب ، وإلّا فلو لم تكن موصلة ، لما أمر بها ، لأنّ المفروض أنّ المقدّمة ليست مطلوبة وإنّما تطلب لأجل ذيها . وإن شئت قلت : إنّ المطلوب الذاتي هو التوصّل خارجاً ، دون التوقّف ، فلو فرض إمكان التفكيك بينهما ، لكان الملاك هو التوصّل خارجاً دون التوقف . وبما انّ المقدّمة في متن الواقع على قسمين يتعلّق الوجوب بالقسم الموصل في الواقع ونفس الأمر دون غيره . وتظهر الثمرة بين القولين فيما إذا توقّف إنقاذ النفس المحترمة على إتلاف مال الغير إذا كان أقلّ أهمية منها ، ولو افترضنا أنّه أتلفه ولم ينقذ الغريق ، فعلى القول بوجوب مطلق المقدّمة لم يرتكب الحرام ، لامتناع اجتماع الوجوب والحرمة في شيء واحد ، بخلاف ما إذا قلنا بوجوب المقدّمة الموصلة ، فبما أنّها لم يكن موصلة لم تكن واجبة بل باقية على حرمتها . واستدلّ على القول الثالث : بأنّ قصد التوصّل قيد للواجب ، فالواجب هو خصوص ما أوتي به بقصد التوصّل .